المقريزي
225
المقفى الكبير
وسرادقين - يعني : ستارتين - وحجلتين للصدر - يعني شخانتين « 1 » - وكلّ مرتبة ثماني قطع ، ثمن ذلك خمسة آلاف دينار . فأقبل كلّ [ من ] حضر يبالغ في صفته ، إلّا ابن حميد فإنّه صار ساكتا ، فلحظه الوزير . وطاف المجالس وا [ ست ] عرض كلّ ما أعدّه ، وهو يقول : يزاد ههنا كذا ، ويترك هنا كذا - ثمّ عدل إلى بيت الطهارة فدخله ، وقد أعدّ في دهليزه من الفرش والآلات والطيب ، وفي داخله من الفواكه والمشمومات كلّ مستحسن . واستدعى ابن حميد منفردا ، وجلس في دهليزه وقال : يا عمدة الملوك ، ما لي لم أسمعك تؤمّن على ما قالته الجماعة ؟ فاعتلّ بما لم يقبله الوزير ، وألزمه أن يصدقه فقال : يا سيّدنا ، عندي أحد رأيين : إمّا أن تأمر بإزالة هذه الفرش ونصب غيرها ممّا هو مستعمل ، أو تحمله إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه . فقال : وما هو هذا ؟ أليس هو ممّا أنعم به وصار إليّ من فضله ؟ وما قدره حتى تمتدّ عينه وتتطلّع نفسه له ؟ أمّا إزالته ونصب غيره ، فما كنت لأكسر نفس هذا الصبيّ ، وإن أمرت بإزالته حزن وانكسرت نفسه ، وقام . [ . . . كانت سببا لتنكّر الخليفة على اليازوريّ ] فحضر المستنصر وأقام يومه في الدار ، وأحضر إليه ما [ أ ] عدّ له من الطّرف . وركب آخر النهار وعاد إلى قصره . وحضر خواصّ الوزير عنده على عادتهم ، فانفرد بابن حميد وقال له : يا عمدة الدولة ، واللّه ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس : منذ دخل الخليفة إلى الدار إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمّل الفرش ، فإذا وجّهت طرفي نحوه أطرق وتشاغل . فقال : يا سيّدي ، إذا فات الأمر الأوّل ، فلا يفوت الثاني . فقال : واللّه لا فعلت ، ولا غممت صفيّ الملك بحرمانه إيّاه ! واتّفق أنّ ابن حميد دخل على الوزير في يوم بكرة ، وقد قدّمت الدابّة إلى باب المجلس ، فخرج ليركب ، وعليه ثوب أسمر اللون مليح السمرة ، فدنا منه ليصلح ثيابه لمّا ركب ، وجعل يلمس الثوب . فسار الوزير وعاد فلمّا انقضت المائدة ، قال لابن حميد : قد لحظتك اليوم تنظر الثوب الذي كان عليّ ، فعجبت من ذلك . فلمّا مثلت بحضرة مولانا كنت بحيث جرت العادة . فأقبل يتأمّل الثوب ، ولم يزل يزحف من الدّست حتّى قرب منّي . فتغافلت عنه ، ولحظته وقد مدّ يده إلى الثوب ليلمسه ، فقلت في نفسي : زال عجبي من عمدة الدولة إذا كان الخليفة على هذه الصفة ، وهو ثوب ملحم « 2 » خراسانيّ . فقال : الملوك إذا أنعموا على أحد ممّن في دولتهم نعمة وتظاهر بها ، استحال الإحسان والاصطناع حسدا ومللا . [ خصاله الحميدة ] وكان الوزير شريف الأخلاق ، عالي الهمّة ، كريم الطّباع ، وطيء الأكناف ، مستحكم الحلم « 3 » ، واسع الصدر ، نديّ الوجه ، يستقلّ الكثير ويستصغر كلّ كبير . فكان راتب مائدته في كلّ يوم كموائد الملوك في الأعياد والولائم .
--> ( 1 ) الحجلة : ضرب من الفرش : والشخانة لم نعرفها . ( 2 ) الملحم من الثياب : ما كان قماشه مصنوعا بلحمة من حرير . ( 3 ) في المخطوط : الحكم ، والإصلاح من الاتّعاظ 2 / 245 .